فوزي آل سيف

12

من قصة الديانات والرسل

وإصلاح، لبلدة كبيرة اسمها سدوم بالقرب من البحر الميت ـ حاليًّا ـ في الأردن، وتقع في طريق القوافل والتجار ولكنها كان أهلها بالإضافة إلى عدم إيمانهم بالله، كانوا منحرفي الأخلاق وقد عبر عنهم القرآن بأنهم يأتون الذكران من العالمين وبأنهم يأتون في ناديهم المنكر، وبأنهم يقطعون السبيل.. وبعثُ النبي إبراهيم ابن أخيه لوطًا إلى سدوم يشير إلى حقائق مهمة، منها أن الممكن أن يكون هناك نبي ومعه أنبياء متعددون فالنبي (الأعظم حسب التعبير) هو إبراهيم لكن من الممكن أن يرسل أنبياء إلى مناطق أُخَر على الأقل في الأزمنة الماضية، وهذا يضيء لنا جهة في عدد الأنبياء والرسل، فإنه لم يكن بما هو المتبادر إلى الذهن من أنه يأتي نبي فلا يكون معه نبي حتى يتوفى ثم يبعث آخر وهكذا.. وإنما من الممكن أن يتعدد وجود الأنبياء في وقت واحد ولكن في مناطق متفرقة مثلما حصل زمان النبي إبراهيم ولوط وهكذا زمان موسى وشعيب وهارون عليهم السلام.. تنبيهان مهمان أولهما: نشير إلى الفرق بين الرواية من طريق أهل البيت عليهم السلام وتلك الموجودة في الكتب المحرفة كالتوراة الحالية مثلًا التي تقول أنهم لما وصلوا إلى فلسطين تنازع إبراهيم مع لوط على المرعى فكلٌ منهم يريد المرعى الأفضل لأغنامه ولما لم يصلا إلى حل قال إبراهيم للوط اذهب أنت إلى الشرق وأنا إلى الغرب!، فأين هذا المنطق من منطق (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي) وأن إبراهيم أرسله لينشر التوحيد ويحارب سوء الأخلاق في تلك المنطقة؟ بل أين هذا مما نقلته روايات الأئمة عليهم السلام من أن إبراهيم خاض بعض المعارك العسكرية لمساعدة ابن أخيه لوط حتى ثبته في بلدة سدوم. وثانيهما: أن من الاستعمالات الخاطئة عند بعض العامة أنهم يقولون لمن يقوم بالشذوذ أنه (لوطي)، وهذا استعمال خاطئ إذا كانت نسبة فاعل الفاحشة إلى النبي الكريم فإنه حارب هذه الفاحشة لمدة تزيد عن عشرين سنة في ما قيل، إلى أن جاءهم العذاب، فلا يصح نسبة الفاحشة إلى اسمه الكريم، نعم لو كانت النسبة ناظرة إلى قوم لوط فلا مانع منه. مثلما ورد من التعبير عن فاعل هذه الفاحشة بأنه يعمل عمل قوم لوط، وكذلك يحمل ما ورد من تعبير (اللوطي) في بعض الروايات[41]، وهي ـ إذا صح صدور تلك الروايات ـ ناظرة إلى نسبته إلى قوم لوط الذين كانوا يأتون الفاحشة لا إلى النبي الذي كان يحاربها ويقاومها. نعم هناك تشابه في الاشتقاق، فالفعل (لاط) وما يشتق منه، فإنه يدل على التصاق بين شيئين أو شخصين فقد ورد في معجم مقاييس اللغة: لوط: كلمة تدل على اللصوق، يقال: لَاطَ الشي‌ء

--> 41 الكليني؛ محمد بن يعقوب: الكافي- ط الإسلامية 7 /198: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن سنان، عن العلاء ابن الفضيل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: حد اللوطي مثل حد الزاني وقال: إن كان قد أحصن رجم وإلا جلد. والرواية فيها كلام لجهة محمد بن سنان فإنه قد ضعف على المشهور وإن كان بعض المتأخرين يميلون لقبول رواياته. فأنت ترى في هذه الرواية قد عبر عن فاعل هذه الفاحشة باللوطي، ولا بد من حمله على أنه منسوب إلى الفاعلين لها وهم قوم لوط دون النبي العظيم. ويؤكده ما جاء في روايات أخر بالتعبير صراحة بأنه من عمل قوم لوط. بالإضافة إلى ما ذكرناه من الوجه الاعتباري. وكذلك في نفس الجزء في ص 197: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لو كان ينبغي لاحد أن يرجم مرتين لرجم اللوطي.. وهذا أيضًا عند بعضهم فيها مشكلة سندية لجهة الحسين بن يزيد النوفلي، فإنه لا توثيق له صريحا. وعلى فرض صدور الرواية أو كونها مؤيدة لغيرها، يلاحظ فيها استعمال لفظ اللوطي، ولا بد من حمله على ما ذكرنا.